ابن عجيبة
373
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : هذه الآية تنسحب على علماء السوء ، الذين يفتون بغير المشهور ، لحظ يأخذونه من الدنيا ، وعلى قضاة الجور الذين يحكمون بالهوى ، ويعتمدون على الأقوال الواهية ، ويقولون هو من عند اللّه ، وما هو من عند اللّه . وكذلك بعض المنتسبين من الفقراء ، يتصنعون إلى العامة ، يطمعون فيما في أيديهم من الحطام ، فيظهرون لهم علوما ومعارف وحكما ، يلوون ألسنتهم بها وقلوبهم خاوية من معناها ، فظاهر حالهم يوهم أن ذلك موافق لقلوبهم ، وأنهم عاملون بذلك ، وباطنهم يكذبهم في ذلك ، ( واللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ) . ثم أبطل اللّه تعالى شبهة اليهود والنصارى في عبادة عيسى وعزير وغيرهم ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 79 إلى 80 ] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( 79 ) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) قلت : البشر : اسم جمع لا مفرد له ، يطلق على الجماعة والواحد . والرباني : هو الذي يربى الناس ويؤدبهم ويهذبهم بالعلم والعمل . وقال ابن عباس : ( هو الذي يربى الناس بصغار العلم قبل كباره ) ، والنون فيه للمبالغة ، كلحيانى ورقبانى . و ( لا يأمركم ) بالرفع ، استئناف ، وبالنصب : عطف على « يقول » ، و « لا » مزيدة ، : أي ما كان لبشر أن يستنبئه اللّه ، ثم يأمر بعبادة نفسه ، ويأمر باتخاذ الملائكة أربابا . أو غير مزيدة ، والتقدير : ليس له أن يأمر بعبادته ولا باتخاذ الملائكة أربابا . يقول الحق جل جلاله : ما كانَ ينبغي لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ أي : الفصل بين العباد ، وَالنُّبُوَّةَ أي : الوحي بالأحكام ، ثُمَّ يَقُولَ بعد ذلك لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أو مع اللّه ، أو يرضى أن يعبد من دون اللّه ، وَلكِنْ يقول لهم : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي : علماء باللّه ، فقهاء في دينه ، حلماء على الناس ، تربون الناس بالعلم والعمل والهمة والحال ، بسبب بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ من كتاب اللّه وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ منه ، أو بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الناس من الخير بكتاب اللّه ، وما كنتم تدرسونه عليهم . ولما مات ابن عباس - رضى اللّه عنهما - قال محمد بن الحنفية : ( مات ربّانى هذه الأمة ) . وَلا يَأْمُرَكُمْ ذلك البشر الذي خصه الله بالنبوة ، أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً من دون الله ، أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي : منقادون لأحكام الله . قيل : سبب نزول الآية : أن نصارى نجران قالوا : يا محمد ؛ تريد أن نعبدك ونتخذك ربا ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « معاذ الله أن نعبد غير الله ، أو نأمر بعبادة غيره » . وقيل : إن رجلا قال : يا رسول الله : نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك ؟ فقال : « لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد من دون اللّه ، ولكن أكرموا نبيّكم ، واعرفوا الحقّ لأهله » .